نحن مع غزة
عبقرية الإرادة: وشل جدي ... سقط حضرة الناظر!!

11 يناير، 2007

وشل جدي ... سقط حضرة الناظر!!

كتبت هذه القصة ونشرتها على الإنترنت ﻷول مرة بتاريخ 14 يوليو 2004

وكنت قد كتبتها على ثلاثة أجزاء .. أنشرهم هنا دفعة واحدة

وهي قصة حقيقة بكل تفاصيلها

1
جدي هذا الرجل الشديد الصلب يبكي ... ياللعجب! .. ماذا حدث.. وتكاد جدتي تقسم بالله أنها لم تره يبكي في حياته أبدا فقط ذلك اليوم .. أذكر كيف كان شديدا جدا معي منذ الصغر عندما كان يدرس لي بعض المواد فقد كان معلما بارزا ... "حضرة الناظر" أو "عبد العزيز أفندي" هكذا كان يناديه الجميع ... كانوا جميعا يهابونه ... إذا قدم وقفوا حتى العمدة أو هذا الرجل الوجيه أو ذاك الغني ... لكنه بكي ... وسقط ... منذ سنين وجدي البالغ من العمر ما يقارب التسعين عاما لا يترك صلاة الجماعة في المسجد ... قبل الصلاة بثلث ساعة يكون هناك .. قيام الليل لا يفوته كل ليلة .. رجل من هذا الطراز لن يكون بكاؤه أبدا على متاع زائل ولن يتهاوى عبد العزيز أفندي لأجل غنيمة فاتته أو حفنة من المال خسرها ..

إذا لماذا سقط؟؟؟؟؟؟؟ ولم تهاوى؟؟؟؟؟؟؟ لقد شل نصف جسده -أسأل الله أن يرحمه ويرزقه الصبر ويشف مرضه-
...

2
"واإسلاماه ! رحماك يارب! أكل هذا بذنبي! " ظلت أعماقي تردد هذه الكلمات وأنا أستمع إلى المذياع ... واستأنف مذيع الأخبار"وقد بدأ القصف بصواريخ من السفن في الخليج العربي على بغداد" ... كان حقا يوم العشرين من مارس يوما حزينا .. طوال اليوم وبعدها بأيام لا تكاد أذني تفارق المذياع وأنا أعتصر ألما .. كنت حينها في القاهرة في المدينة الجامعية وقد مضت فترة منذ أن رأيت أهلي اخر مرة ... عقدت العزم على الرحيل ... ليس إلى أهلي إنما إلى تلك الأرض التي يدنسها ألأمريكان ... حلمت وقتها بالجهاد والشهادة وقد أشاعوا أنه من يريد أن يذهب إلى العراق مجاهدا أرسلناه ... لكن أخا عزيزا أقنعي على مضض أن أتريث لأنظر ماذا يصير ... وانكشف الأكذوبة بعدها فقد كانت الإشاعة مؤامرة .. سافرت إلى قريتي الحبيبة كي أحتضن ترابها عساها تخفف من شوقي لرمال بغداد ... لكن الوجوه كانت حزينة ... بعدها عرفت أن أحاسيسي هذه وتعبيرات الناس من حولي ينقص معظمها الصدق بل تتهم بالنفاق حتى يثبت العكس ... عرفت هذه النتيجة بعدما بلغني نبأ جدي

3

منذ سنين وجدي يملكون الرائي*بقنواته المحلية التي لاتكاد تعرض شيئا من الحقيقة إلا ما وافق أهواء الحكومات أو للتنفيس عن الناس خشية الإنفجار ... فقط ومنذ حوالي السنتين اشترينا هذا الطبق لنشاهد القنوات الفضائية نفورا من هذا الإفك الإعلامي الذي يبعث على الملل ورغبة في التعرف على العالم مجردا من الشوائب .... ووصلت وصلة إلى الرائي عند جدي ... كثيرا ما قالت لي جدتي "ياعمرو رجعلنا القنوات العادية إحنا ما بنتحملش المناظر اللي بيجيوها في الدش دي" ... دخلت المنزل عند عودتي من السفر وأخبرت أني جدي مريض بشدة ... توجهت فورا إلى الشقة المقابلة حيث يسكن جدي ... نظرت إليه وهو ملقى على الفراش وزاد حزني منظر عينيه اللتان لا يستطيع فتحهما ... لم يستطع حتى أن يتعرف عليّ... رغم أني كلمته إلا أنه بعدما تحسن قليلا سألهم "هو عمرو ما جاش شافني ليه؟؟؟؟" ... كان نصفه الأيمن مشلولا تماما ... وأثبتت الاشعة أنه أصيب بجلطة في المخ ... تقصيت الأمر لأعرف كيف حدث هذا ... كان جالسا قبيل صلاة الجمعة يشاهد الأخبار يشاهد ذبحا في أطفال العراق واغتصابا لنساء العراق ... يشاهد امتهانا لكرامة المسلمين وبوش يفي بوعده ويرسل الحملة الصليبية كما أسماها هو إلى بغداد ... يشاهد عاصمة الخلافة العباسية تسقط والقبلة الأولى تدنس تدنيسا فوق تدنيس ... فبكى .. نعم، بكى ... أول مرة يراه أحد يبكي ... لعله تذكر ضعف قواه وأنه لايطيق الجهاد دفاعا عن عرض رجل مسلم ينتهك فبكى ... أو لعله تذكر كيف بذل المسلمون الأولون كل غال ونفيس لديهم في فتوح العراق ثم أضعناها نحن فبكى ... أو لعله نظر إلى حالنا وكيف أننا في نعم تحصى ولنا إخوة في الدين لا مأوى ولا مأمن لهم فبكى ... أو لعله صدق في حمل هم المسلمين فبكى ... بكى عبد العزيز أفندي ... ومن شدة تألمه أصابته الجلطة ... وسقط حضرة الناظر ... لكنه سمع المؤذن ينادي "حي على الصلاة ... حي على الفلاح" فأصر أن يذهب إلى الصلاة ... وذهب وصلى أخر صلاة له قي المسجد ... ومن يومها شعاره "فصبر جميل" ... وأمله أن يكون من الذين ابتلاهم الله فشكروا ليس فقط صبروا بل شكروا ... شفاك الله ياجدي ورحمك ورزقك الحسنى
________________________________________________
* الرائي : يقصد به التلفاز وهم اسم فاعل بمعنى اسم المفعول وقد استخدم هذا المصطلح الشيخ علي الطنطاوي في بعض كتبه

0 التعليقات: